سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
224
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
« والعثمانيون أعظم الدول خطأ إذ ينظرون إلى دولة الإنجليز كما ينظرون إلى دولة الروس من حيث إن إنجلترا تحكم على مأتين وثمانين مليونا من النفوس فيظنون لهذا النظر أن معارضة هذه الدولة ربما تجلب الضرر وليتهم مدّوا أنظارهم إلى ما وراء ذلك ليتبين لهم حقيقة قوتها العسكرية - مجردة عن المستعمرات - وماذا يمكنها أن تسوق من الجنود إلى ميادين القتال ليتضح لهم أن هذه الملايين الكثيرة لا ينبغي أن تحسب في قوة إنجلترا وإنما هي في الحقيقة قوة لأعدائها عليها ، وهي في ارتقاب الفرص لخلع طاعتها خصوصاً ثمانين مليونا من المسلمين في حكومة إنجلترا يعدون الدولة العثمانية قبلة لهم وملاذاً يلجأون إليه وهم أول قوم حزبيين في الأقطار الهندية . « لو علم العثمانيون أن دولة إنجلترا إنما تستميل المسلمين في الهند ، بكونها حليفة الدولة العثمانية ونصيرة لها واستعملوا تلك السلطة استعمال العقلاء أولي الحزم ، لما صبروا وتجرعوا مرارة الصبر على تحكمات الإنجليز وحيفهم في أعمالهم وتعديهم على حقوق السلطان خصوصاً في المسألة المصرية التي هي في الحقيقة أهم مسألة عثمانية وإسلامية . قال : الأسباب التي هيأت سقوط مصر في مخالب الإنجليز غريبة في بابها ؛ إذ أصبحت وهي من نفس المصريين وبقوتهم يعدونها خارجة عنهم . نعم إن المصريين كانوا أيام « عرابي » على قسمين قسم يروم حفظ الحالد القديمة والوقوف عندما يرسم به الخديوي وقسم كان يميل بإحدى جانبيه إلى عرابي ويهاب بالجانب الآخر سلطة الرسم القديم . فكان هذا القسم الثاني في ريبة من أمره ولا عزيمة مع الريب ، القسم الأول مخلد إلى الخمول والفشل . فدخل الإنجليز بلا حرب حقيقية بل بنوع من الترهيب وقليل من الترغيب وخفيف من الدسائس صادف قلوباً مستعدة فأخذ منها مقاماً فانحلت الرابطة وتفرق الناس عن « عرابي » بزوال جانب الميل إليه من قلوبهم . « ومع ذلك ما كان يعتقد فرد منهم أن الإنجليز يبتغون من البلاد شيئاً ، سوى أنهم يؤيدون « الخديوي توفيق باشا » وينقذونه من الثائرين عليه . فتساهل المصريون في الأمر بحسن ظنهم في حكومة الإنجليز مع ما جاءتهم به من الحجة القوية القائمة